مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

نظرة

روشتات الفيسبوك


لم يعد الذهاب إلى الطبيب هو الخيار الأول لدى كثيرين، فبضغطة زر واحدة على تطبيق فيسبوك، يمكنك أن تجد نفسك داخل ما يشبه "عيادة افتراضية" مفتوحة على مدار الساعة، يقدم فيها عشرات "الأطباء" نصائحهم المجانية، وروشتاتهم السريعة، دون موعد مسبق أو حتى كشف حقيقي.

في هذا العالم الموازي، تتحول الأمراض إلى محتوى يومي، وتصبح المعاناة الإنسانية مادة قابلة للمشاركة والإعجاب. "اشرب هذا المشروب قبل النوم"، "تخلص من آلامك في ثلاثة أيام"، "علاج نهائي بدون أدوية".. عناوين براقة، تجذب الملايين، وتوهم البسطاء بأن الحلول السحرية أقرب مما يتخيلون.
ولا يمكن إنكار أن بعض ما يُقدم عبر هذه المنصات قد يستند بالفعل إلى أصول علمية أو تجارب طبية معروفة، لكن الكارثة تكمن في طريقة تقديمه. إذ يتم اقتطاع المعلومة من سياقها، وتبسيطها بشكل مُخل، بل وإعادة تغليفها على أنها "وصفة سرية" أو "اكتشاف جديد"، ينسبه صانع المحتوى إلى نفسه، متجاهلًا الجهد العلمي الحقيقي الذي بُنيت عليه هذه المعلومات. وهنا تتحول المعرفة من علم دقيق إلى مادة استهلاكية، تخضع لقواعد المشاهدة لا لقواعد الطب.

الأخطر أن هذه "العيادات" لا تفرق بين مريض وآخر، ولا تعترف بفروق السن أو التاريخ المرضي أو طبيعة الجسد. فالجميع أمامها حالة واحدة، يمكن علاجها بنفس الوصفة، وكأن البشر نسخ متطابقة لا اختلاف بينها. وهو تصور لا يصمد أمام أبسط قواعد الطب، التي تقوم في جوهرها على التشخيص الفردي الدقيق.
ومع تزايد التأثير، أصبح البعض يتعامل مع هذه النصائح كبديل حقيقي للطبيب، بل ويؤجل زيارة المختص، اعتمادًا على فيديو لم يتجاوز الدقيقة. وهنا تتحول المسألة من مجرد ظاهرة طريفة إلى خطر حقيقي، قد يؤدي إلى تفاقم الأمراض أو تشخيصات خاطئة، يدفع ثمنها المريض وحده.

كما أن هذه الفوضى فتحت الباب أمام ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، وهي "تقمص الدور". فهناك من يمنح نفسه حق التشخيص عبر التعليقات، ويكتب روشتات جاهزة لكل من يطلب المساعدة، في مشهد عبثي يختلط فيه الجهل بالثقة الزائفة، وتغيب عنه أدنى درجات المسؤولية.

وربما لا تكمن المشكلة فقط في صانع المحتوى، بل أيضًا في المتلقي، الذي يبحث أحيانًا عن الحل الأسهل والأسرع، حتى لو كان على حساب صحته. فثقافة "العلاج السريع" و"الوصفة السحرية" تجد رواجًا كبيرًا في ظل ضغوط الحياة، لكنها في النهاية قد تكون طريقًا مختصرًا نحو مضاعفات أكثر تعقيدًا.

إن الطب، في جوهره، علم تراكمي دقيق، لا يحتمل الاختزال ولا العشوائية. والتشخيص ليس رأيًا يُكتب في تعليق، ولا تجربة تُروى في فيديو، بل مسؤولية إنسانية وعلمية لها أدواتها وقواعدها.
وفي خضم هذا الزحام الرقمي، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول. فليس كل ما يُقال يُصدق، وليس كل ما يُشاهد يُتبع. وبين "تريند" عابر ونصيحة مدروسة، قد تكون المسافة هي الفارق بين الشفاء والخطر.

وفي زمن تحوّلت فيه الشاشات إلى عيادات، ربما نحتاج إلى تذكير بسيط: صحتك ليست محتوى... وجسدك لا يُعالج بـ"لايك" أو "شير".